بقلم: يحيى رباح

 
شاركت يوم الخميس الماضي في حفل افتتاح مهرجان فلسطين المسرحي، الذي ينظمه الاتحاد العام للمراكز الفلسطينية وعلى رأسه الأخ والصديق العزيز يسري درويش،وهو مثقف دؤوب، ينحت في الصخر دون كلل أو ملل، ويعشق أن يفتح ثغرة للأمل في الجدار المغلق، بالتعاون مع الشبكة الوطنية الفلسطينية لمؤسسة " أنا لينت للحوار بين الحضارات"، وهو المهرجان الذي يتواصل حتى يوم الثلاثاء المقبل، ويحتوي عروضا مسرحية، ونقاشات نقدية، وندوات عن دور المسرح في رعاية السلام والوفاق والحوار المجتمعي والإنساني.


فعاليات هذا المهرجان تتواصل في مدينة غزة حيث البداية وفي مدن بيت لحم والخليل وجنين بالإضافة إلى فعالية في مدينة رام الله، وهكذا فإن الإبداع الثقافي والفني يتخطى بطريقة جميلة وهادئة وخالية من الشعارات الصاخبة المضحكة، كل الحفر التي تصنعها السياسة والسياسيون، بتراشقاتهم، وانكفاءاتهم الحزبية، وارتهاناتهم الإقليمية، وهي الأخطاء والخطايا التي قادتنا إلى هذا الانقسام السيئ السمعة الذي نراه بعد سبعة وعشرين شهرا، يغادر العناوين السياسية، ويتمدد مثل السرطان إلى كل مفاصل حياتنا، وإلى كل دقائق نسيجنا الاجتماعي والنفسي!!! ولكن الابداع والمبدعون، والثقافة والمثقفون،يثبتون من جديد أنهم قادرون على تخطي حفر الانقسام وأسيجة الانقسام الملتهبة بالمنطق العبثي وشآبيب النار في آن واحد.

في قطاع غزة على وجه التحديد، نعتبر المشاركة في فعاليات هذا المهرجان عبارة عن لحظات مكثفة متوهجة بإرادة الفرح والأمل، الفرح والأمل في وجه الإحباط ودعاته واليأس ووتجاره المحترفين، الفرح والأمل في وجه الانقسام ورديفه الحصار ورديفه الدمار، وهذا هو الدور العبقري للإبداع والمبدعين والثقافة والمثقفين، أن يمنحونا الثقة بقدرتنا على تجاوز اللحظة الراهنة الخانقة، وأن نرى أنفسنا هناك في المستقبل القادم، وفي الثورة على الذات المضطربة، وفي الحق المقدس في الحياة.

الفعالية الأولى للمهرجان كانت يوم الخميس هي مسرحية " فيلم سينما"، وهي معالجة درامية للدكتور عاطف أبو سيف ومن إخراج المخرج المخضرم حسين الأسمر، وبطولة علي أبو ياسين وإيناس السقا وأكرم عبيد، الذين قدموا على خشبة مسرح عسقلان في مؤسسة المسحال الثقافية، عرضا مدهشا متوهجا بالتناغم والحضور والموهبة اللافتة، وقد سبق لي أن تحدثت إلى قرائي الأعزاء عن هذه المجموعة من المبدعين، وعن مسرحيين آخرين في قطاع غزة، لا يملكون من الإمكانيات المادية إلا القليل الذي لايكاد يذكر، ولا يجدون على المستويات الرسمية أو على المستويات الأهلية من يرعاهم ويأخذ بيدهم بشكل حقيقي، لكنهم رغم ذلك حاضرون في الميدان، يشكلون حركة مسرحية حية، و توهج للموهبة، في انتظار أن تنتبه جهة ما رسمية أو أهلية إلى أهمية المسرح في حياتنا واهمية الإبداع عموما، حيث المسرح هو نوع من الابداع الجماعي، وهو اليوم أبو الفنون جميعا لأن خشبته تحتضن العديد من هذه الفنون في آن معا مثل الموسيقى والاستعراض والفنون التشكيلية بالاضافة إلى التمثيل والإخراج وبقية التقنيات الأخرى المتعلقة بالصوت والإضاءة والمؤثرات الخارجية.
لقد كنت سعيدا جدا وأنا أتابع عرض مسرحية "فيلم سينما " واشارك في النقاشات الفتوحة التي دارت بعد العرض، وشارك فيها الجمهور بالاضافة إلى عدد من المختصين، ولدينا من هنا حتى يوم الثلاثاء القادم في غزة وبيت لحم والخليل وجنين ورام الله ما يستحق أن نشاهده ونفرح به، وما يستحق أن نسمعه ونشارك به، ضمن فعاليات مهرجان فلسطين المسرحي، فشكرا مرة أخرى للقائمين عليه، وشكرا لكل الذين يشاركون في جمالية هذه الحديقة من الفرح من كتاب ومخرجين وممثلين يستحق الكثير منهم أن يكونوا نجوما على المستوى العربي!!! وشكرا للجمهور الذي رأيته حاضرا في مؤسسة المسحال الثقافية، معلنا من خلال حضوره الكثيف عن رغبة مقدسة بالفرح تتخطى كل الصعاب.